دوشنبه 22 رمضان 1440 - 2019 مي 27
کد خبر : 96957
تاریخ انتشار : 3/31/2016 1:16:52 PM
تعداد بازدید : 2114

حول حديث: «عليكم بسنّتي وسنة الخلفاء الراشدين‏ المهديين»

استند البعض إلى حديث ذكروه في كتبهم ، منسوبا إلى النّبي الأعظم صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، قال: «عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين المهديّين بعدي ، تمسّكوا بها وعضّوا عليها بالنّواجذ». و فيه: أن الخبر مخدوش سندا ودلالةً .


استند البعض(70) إلى حديث ذكروه في كتبهم ، منسوبا إلى النّبي الأعظم صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، قال: «عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين المهديّين بعدي ، تمسّكوا بها وعضّوا عليها بالنّواجذ»(71) .

و فيه: أن الخبر مخدوش سندا ودلالةً .

أمّا سندا فهو خبر واحد ، يرويه العرباض بن سارية السّلمي ، وهو غير موثوق عندنا ، ولم نعثر على من وثّقه عندهم ، حتّى أنّ البخاري ومسلم لم يخرجاه ، و أقصى ما قيل في حق الرّاوي أنّه كان من أعيان أهل الصّفّة (72) ، أو أنّه كان من البكّائين (73) ، وهذا غير كاف ، أضف إلى ذلك ، أنّ بعض ما روي عنه يدلّ على عدم فقهه ، وسكنه في الشّام يومي إلى أنّه جعل الحديث مرضاةً لبني أميّة ، أو نسب إليه زورا إذ إنّه مات سنة خمس وسبعين(74) . فالحديث عندنا مجعول ، وغير ثابت ، بل الثّابت عدمه ، لتواتر حديث الثّقلين .

و أمّا الدّلالة فيقع النّقاش في عدّة نقاط:

أوّلاً: على فرض صحّة الخبر يقع الكلام في مصداق الخلفاء ، فالخلفاء هم المنصوبون من قبل الرّسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بأمر اللّه‏ ، وهم الأئمّة الإثنا عشر عليهم‏السلام ، لا غيرهم .

روى مسلم بإسناده عن جابر بن سمرة قال: دخلت مع أبي على النّبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، فسمعته يقول: «إنّ هذا الأمر لا ينقضي حتّى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة . . كلّهم من قريش»(75) .

و روى بإسناده عنه عن النّبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : «لا يزال الإسلام عزيزا إلى إثني عشر خليفة . . كلّهم من قريش»(76) .

و عنه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : «يكون بعدي اثنا عشر خليفة كلّهم من قريش»(77) .

و عنه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : «يكون لهذه الأمّة اثنا عشر قيّما ، لا يضرّهم من خذلهم ، كلّهم من قريش»(78) .

و عنه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : «يملك هذه الأمّة اثنا عشر خليفة ، كعدّة نقباء بني إسرائيل»(79) .

و عنه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : «إنّ عدّة الخلفاء بعدي عدّة نقباء بني إسرائيل»(80) .

وروى ابن مسعود عن النّبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أنّه قال: «الخلفاء بعدي اثنا عشر كعدّة نقباء بني إسرائيل»(81) .

إن قيل: هذه الأحاديث لم تعيّن المصاديق ، وإنّما مضامينها عناوين كليّة قابلة للانطباق على كثير .

قلنا:

أوّلاً: هناك كثير من الرّوايات الرّافعة لهذا الإجمال ، مثل ما رواه أبو سعيد الخدري قال: سمعت رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يقول: «الخلفاء بعدي إثنا عشر ، تسعة من صلب الحسين عليه‏السلام ، والتّاسع مهديّهم ، فطوبى لمحبّيهم ، والويل لمبغضيهم»(82) .

ثانيا: التّأمّل في مضامين الأخبار يرشدنا إلى لزوم اتّصاف الخليفة بأوصاف متمايزة من العلم والتّقوى بحيث يسمح له أن يجلس في مجلس الرّسول الأكرم صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، و يحكم باسمه ، والعقل حاكم بذلك أيضا .

قال صدر المتألّهين قدس‏سره في ردّ من زعم أنّ أولي الأمر هم الخلفاء ـ مطلقا ـ أنّ الحديث المتّفق عليه عن رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله - المشهور بطرق متكاثرة - أنّه قال: «لا يزال الإسلام عزيزا أو هذا الدّين قائما حتّى يقوم السّاعة ويكون عليهم إثنا عشر خليفة» وما يجري مجراه لا ينطبق على خلفاء بني أميّة وأمثالهم ، وأنّ رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله رأى نزو القردة على منبره ، وأوّله ببني أميّة ، وهم الشّجرة الملعونة في القرآن ، ثمّ حكى الصّدر قدس‏سره في ما حكي من قصصهم أخبار الوليد بن يزيد وولوعه بالمنكرات ، وهمّ هشام بقتله ففرّ منه ، وكان لا يقيم بأرض خوفا على نفسه ، وبويع له بعد هشام بالخلافة ، ومن استهتاره أنّه اصطنع بركة من خمر ، وكان إذا طرب ألقى نفسه فيها ، ويشرب منها حتّى يتبيّن النّقص في أطرافها ، ومن أخباره أنّه واقع جاريته وهو سكران ، وجاءه المؤذّنون بالصّلاة فحلف (أن) لا يصلّي بالنّاس إلاّ هي! ، فلبست ثيابه وتنكّرت ، وصلّت بالمسلمين وهي سكرى متلطّخة بالنّجاسات على الجنابة! .

قال: وحكى صاحب الكشّاف أنّ الوليد تفأّل يوما في المصحف ، فخرج له قوله تعالى: فاستفتحوا وخاب كلّ جبّار عنيد(83) ، فمزّق المصحف وأنشأ يقول:

أتوعّد كلّ جباّر عنيد فها أنا ذاك جبّار عنيد
إذا ما جئت ربّك يوم حشر فقل يا ربّ مزّقني الوليد

فأجمع أهل دمشق على قتله ، فلمّا دخلوا عليه في قصره قال: «يوم كيوم عثمان»! ، وقطّعوا رأسه ، وطيف به في دمشق .

ثمّ قال صدر المتألّهين: فانظروا يا أهل العقل والإنصاف! هل يستصحّ ذو مسكة أن يقال: إنّ رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يقول: لا يزال الإسلام عزيزا والدّين قائما ما وليهم إثنا عشر رجلاً من أمثال هؤلاء الخلفاء من الشّجرة الملعونة؟! انتهى كلامه(84) .

و لا يخفى أنّ تسمية الخلفاء الأربعة بالخلفاء الرّاشدين جاءت متأخّرة عن صدور حديث العرباض بن سارية (85) ، يقول السيد العسكري: «إنّ الراشدين اصطلاح تأخّر استعماله عن عصر الخلافة الأموية ، ولم يرد في نصّ ثبت وجوده قبل ذلك . .»(86) .

ثمّ إن تتابع الأوصاف الاحترازيّة بعد كلمة الخلفاء من قبيل «الرّاشدين المهديّين»(87) يرشدنا إلى لزوم اتّصاف الخليفة بهاتين الصّفتين وهما الرّشد والهداية ، و مع تواجدهما لا مجال للبدعة! .

ثانيا: لو سلّم ذلك فليس المراد بالاقتداء الاقتداء بذلك بهم في كلّ الأمور ، بل في الأمور الّتي يطابق فعلهم فيها فعل الرّسول الأعظم صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، لا مطلقا .

قال ابن حزم الأندلسي: «إنّ سنّة الخلفاء هي اتّباع سنّته عليه‏السلام ، وأمّا ما عملوه باجتهاد فلا يجب اتّباع اجتهادهم في ذلك»(88) .

و قال أيضا: « . . فإنّ الرّسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله إذا أمر باتّباع سنن الخلفاء الرّاشدين لا يخلو ضرورة من أحد وجهين:

إمّا أن يكون صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أباح أن يسنّوا سننا غير سننه ، فهذا ما لا يقوله مسلم ، ومن أجاز هذا فقد كفر وارتدّ وحلّ دمه وماله ، لأنّ الدّين كلّه إمّا واجب أو غير واجب ، وإمّا حرام وإمّا حلال ، لا قسم في الدّيانة غير هذه الأقسام أصلاً ، فمن أباح أن يكون للخلفاء الرّاشدين سنّة لم يسنّها رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فقد أباح أن يحرّموا شيئا كان حلالاً على عهده صلى‏الله‏عليه‏و‏آله إلى أن مات ، أو يحلّوا شيئا حرّمه رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، أو أن يسقطوا فريضة فرضها رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ولم يسقطها إلى أن مات ، وكلّ هذه الوجوه من جوّز منها شيئا فهو كافر مشرك بإجماع الأمّة كلّها بلا خلاف ، وباللّه‏ التّوفيق ، فهذا الوجه قد بطل ، وللّه‏ الحمد .

و إمّا أن يكون أمر باتّباعهم في اقتدائهم بسنّته صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، فهكذا نقول : ليس يحتمل هذا الحديث وجها غير هذا أصلاً»(89) .

وقال الكحلاني: «إنّه ليس المراد بسنّة الخلفاء الرّاشدين إلا طريقتهم الموافقة لطريقته صلى‏الله‏عليه‏و‏آله من جهاد الأعداء ، وتقوية شعائر الدّين ونحوها ، فإنّ الحديث عام لكلّ خليفة راشد لا يخصّ الشّيخين ، ومعلوم من قواعد الشّريعة أن ليس لخليفة راشد أن يشرع طريقة غير ما كان عليها النّبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، ثمّ عمر رضى‏الله‏عنه نفسه الخليفة الرّاشد سمّى ما رآه من تجميع صلاته ليالي رمضان بدعة ولم يقل إنّها سنّة ، فتأمّل ، على أن الصّحابة رضي اللّه‏ عنهم خالفوا الشّيخين في مواضع ومسائل ، فدلّ أنّه لم يحملوا الحديث على أن ما قالوه وفعلوه حجّة»(90) .

و قال المباركفوري: «قوله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : عليكم بسنّتي وسنة الخلفاء . . قلت: ليس المراد بسنة الخلفاء الرّاشدين إلاّ طريقتهم الموافقة لطريقته صلى‏الله‏عليه‏و‏آله »(91) .

ثالثا: إنّ للرواية تتمّة ، مغفول عنها غالبا عند ذكرها - مع الأسف - ، وهي: «و إيّاكم ومحدثات الأمور ، فإنّ كل محدثة بدعة ، وقال عاصم مرة: وإيّاكم ومحدثات الأمور ، فإنّ كلّ بدعة ضلالة . .» (92) ، وهذه التّتمّة تقيّد إطلاق الصّدر ، يعني ما دام لم يحدثوا في الدّين ولم يبتدعوا فاتّبعوهم ، وإلاّ فلا مجال للطّاعة ، والمفروض في المقام حصول البدعة باعتراف قائلها .

رابعا: مدلول الخبر إرشاد النّاس إلى سنّة النّبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله والخلفاء الرّاشدين المهديّين عند طروّ الخلاف ، حيث جاء في الحديث: «فإنّ من يعيش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا ، فعليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين المهديّين . .» ، ومعنى هذا التّفريع أنّه إذا كان الحكم واضحا وبديهيّا فهو ، وإلاّ فلو عرض الخلاف فعليكم بمراجعة سنّة النّبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله والخلفاء الراشدين المهديين الذين يسيرون على سنّته صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، حتّى يرفعوا الخلاف بينكم ، فظهر أنّ شأن الخليفة هو شأن الحاكم لرفع حيرة النّاس ، لا أن يوجِد خلافا جديدا بتشريعه وبدعته ، ويزيدهم حيرةً على حيرتهم ، فيكون نقضا للغرض .

خامسا: إنّ ابن حزم الأندلسي قام بدراسة الحديث دراسة موضوعيّة يعجبني ذكرها ،- وليس المقصود موافقتنا كلّ ما أفاده- قال:

«و أمّا قوله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : «عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين» ، فقد علمنا أنّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله لا يأمر بما لا يقدر عليه ، ووجدنا الخلفاء الرّاشدين بعده عليه‏السلام قد اختلفوا فيه اختلافا شديدا ، فلابدّ من أحد ثلاثة أوجه لا رابع لها:

إمّا أن نأخذ بكلّ ما اختلفوا فيه ، وهذا ما لا سبيل إليه ، إذ فيه الشّيء وضدّه ، و لا سبيل إلى أن يورث أحد الجدّ دون الإخوة بقول أبي بكر وعائشة ، ويورث الثّلث فقط وباقي ذلك للإخوة على قول عمر ، ويورثه السّدس وباقيه للإخوة على مذهب عليّ ، وهكذا في كلّ ما اختلفوا فيه ، فبطل هذا الوجه ، لأنّه ليس في استطاعة النّاس أن يفعلوه ، فهذا وجه .

أو يكون مباحا لنا بأن نأخذ بأيّ ذلك شيئا ، وهذا خروج عن الإسلام ، لأنّه يوجب أن يكون دين اللّه‏ تعالى موكولاً إلى اختيارنا ، فيحرّم كلّ واحد منّا ما يشاء ، ويحلّ ما يشاء ، ويحرّم أحدنا ما يحلّه الآخر ، وقول اللّه‏ تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم ، وقوله تعالى: تلك حدود اللّه‏ فلا تعتدوها ، وقوله تعالى: ولا تنازعوا يبطل هذا الوجه الفاسد ، ويوجب أنّ ما كان حراما حينئذٍ هو حرام إلى يوم القيامة ، وما كان واجبا يومئذٍ فهو واجب إلى يوم القيامة ، وما كان حلالاً يومئذٍ فهو حلال إلى يوم القيامة ، وأيضا فلو كان هذا لكنّا إذا أخذنا بقول الواحد منهم فقد تركنا قول الآخر منهم ، ولابدّ من ذلك ، فلسنا حينئذٍ متّبعين لسنّتهم ، فقد حصلنا في خلاف الحديث المذكور ، وحصلوا فيه شاؤوا أو أبوا . .

فإذا قد بطل هذان الوجهان فلم يبق إلاّ الوجه الثّالث ، وهو أخذ ما أجمعوا عليه ، وليس ذلك إلاّ فيما أجمع عليه سائر الصّحابة رضوان اللّه‏ عليهم معهم ، وفي تتبّعهم سنن النّبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله والقول بها»(93) .

ثمّ لا يخفى أنّ ابن حزم أراد أن يصل إلى نتيجة مفادها حجيّة إجماع الصّحابة .

و فيه: لو كان الإجماع كاشفا عن قول النّبي والمعصوم فهو ، وإلاّ فلا أثر لهذا الإجماع .